الثلاثاء، 7 يناير، 2014

الـصـبـي والـفـراشـة



   أجنحتها ملونة وزاهية، كما يليق بفراشة تطير به - في فضاء أحلامه - كل ليلة. لم يبذل جهدًا كبيرًا في اختيار اللون المناسب لأجنحة الفراشة المنبسطة على كراس الرسم. كان اللون الأزرق هو الغالب، تتخلله نقاط بيضاء. في فضاء الكراس رسم زهورًا حمراء وصفراء وأرجوانية، وفي جانب علوي من الصفحة كانت شمسًا ذهبية.

   اقتربت منه كي تريه رسمها. كانت ترتدي سترة زرقاء، تحتها قميص أبيض. كانت قد رسمت صبيًا نحيفًا بنظارات طبية، يسافر على أجنحة فراشة زرقاء، صوب شمسٍ ذهبية. 

السبت، 4 يناير، 2014

هـذا الـبـاب

في الحلم أعطاني مفاتيح كثيرة، وقال لي: "افتح كل الأبواب".

في الصباح كانت الدنيا بلا أبواب، فقلت: "وما جدوى المفاتيح في عالم بلا أبواب؟!"

في الحلم قال لي: "أنت أنت الباب."

في الصباح وجدت باب غرفتي محكم الإغلاق. بحثت عن المفاتيح فلم أجدها!

في الحلم قال لي: "أنت أنت المفتاح."


في الصباح كانت جدران الغرفة تتباعد عني، حتى صار سفرٌ بيني وبينها. وصارت السماء دون السقف، والأرض أبعد من قاع البحر. ولم أعد أبصر باب الغرفة. 


الاثنين، 28 أكتوبر، 2013

شـجـرة الـعـيـون



   تسطو العتمة على العالم بالخارج، فيما جدتي «عين» - بحكاياتها - تنير عالمي من الداخل.  الحال هكذا كل مساء .. أنا لا أشبع من الحكايات، وحكايات جدتي «عين» لا تنفد أبداً. حكايات قديمة وعجيبة.. أنبياء وأولياء .. ملوك وصعاليك .. حيوانات متكلمة .. طيور مُسبِحة .. وشجر يئن كما البشر .. حكايات ورثتها جدتي عن جدتها، وحكايات أخرى عايشتها جدتي بنفسها، وثالثة أظن أن جدتي قد ألفتها تأليفاً.

   حينما بدأ الغمام يحاصر الأفق أمام عينيّ، لم أستوعب لماذا أصبح العالم أقل ضياءً. حدث هذا منذ أربع سنوات. كنت وقتها لا أزال تلميذة بالمدرسة الابتدائية. لاحظت أمي أنني أصبحت كثيرة العثرات، وأن الأشياء دائماً ما تسقط من بين يديّ. أخبرتها عن الأفق المحاصر أمام ناظريّ، وعن النور الذي أصبح شحيحاً أينما وليت وجهي.

   يصحبني أبي إلى طبيب العيون. يفحصني الطبيب، يقف بجوار لوح عليه علامات دائرية  غير مكتملة الإغلاق. يشير الطبيب إلى العلامات واحدة تلو الأخرى، وهو يكرر سؤاله الأوحد عن الاتجاه الذي تنفتح عليه كل علامة، أجيبه كل مرة بكثير من التردد والتعثر.

   بعد أن انتهى الطبيب من الفحص، طلب من أبي إحضاري إلى مستشفى الرمد في صباح اليوم التالي لمزيد من الفحوصات.

   في المستشفى تناوبت الأجهزة الحديثة فحص عينيّ، وقدمت تقريراً للأطباء تقرر فيه حاجتي لزرع قرنية في كلتا العينين. كان ذلك يعني مبلغاً طائلاً من المال.

   ازدادت كثافة الغمام أمام عينيّ، ولم يعد بمقدوري الذهاب إلى المدرسة. ولم يعد لي من نور سوى حكايات جدتي «عين».

   حكت لي جدتي «عين» عن شجرة تسمى «شجرة العيون»، تنبت في أرض بعيدة عن الأرض التي نحيا عليها. تلك الشجرة تثمر ثمراً ليس كمثله ثمر، فثمرها عيون .. عيون حوراء يا صغيرتي .. عيون من كل لون .. سمراء وخضراء .. بنية ورمادية .. لبنية وعسلية.
   قالت لي جدتي إنها ستسافر يوماً ما إلى تلك الأرض البعيدة، حيث تنبت «شجرة العيون»، وأنها ستجلب لي زوجاً من العيون من ثمر تلك الشجرة العجيبة، وأنني سأعود أرى العالم يضج بالأنوار.

   آه .. لازلت أذكر ذلك الصباح الثقيل ثقل الرواسي من الجبال. ماتت جدتي.. ماتت «عين» .. ماتت صاحبة الحكايات .. ماتت .. وبقيت حكاياتها التي لا تموت.

   وسط سيول الدموع المنهمرة من العيون، والتي تبكي - بلا انقطاع - جدتي «عين»، استدعاني أبي على عجل. أخبرني أبي أن جدتي «عين» كانت قد أوصت لي بقرنيتي عينيها إذا ما ماتت، وأخبرني أيضا أنه قد اتصل بطبيب العيون ورتب معه الأمر، وأنهم سوف ينقلون جثمان جدتي الآن إلى المستشفى، لاستئصال قرنيتي عينيها، تمهيداً لزراعتهما بعينيّ.

   لماذا فعلت هذا يا جدتي؟! لماذا وضعتني في هذا الاختبار الصعب؟! .. لا ..  أنا لن أقبل أن ينزعوا منك عيونك .. لا يا «عين» لن أقبل .. لن أقبل ..

   احتضنني أبي، وهدأ من روعي، وأخبرني أن هذه هي وصية جدتي، وأمنيتها الأخيرة التي أصرت عليها، وأننا لا نملك شيئاً سوى تنفيذ وصيتها، والدعاء لها بالرحمة.

   في غرفة العمليات، و بعد أن سرى المخدر في جسدي، لم أشعر بشيء لوهلة، ثم سمعت صوت جدتي «عين» يأتي من بعيد وهي تناديني: انهضي يا صغيرتي .. اقترب الصوت أكثر فأكثر .. شعرت بيديها وهما تمسكان بيديّ .. كانت تساعدني على النهوض .. تشبثت بيديها وأنا أنهض من رقدتي، وقلت لها وأنا أغالب دموعي المنهمرة:

-      لماذا غبتِ عني يا «عين» وتركتني وحيدة؟
-      لقد ذهبت إلى الأرض البعيدة يا حبيبتي.
-      الأرض البعيدة حيث تنبت «شجرة العيون»؟!
-      نعم يا حبيبتي، وجئتك منها بزوج من العيون.
-      ابقِ معي يا جدتي.
-      سأعود إلى الأرض البعيدة يا صغيرتي، سأعود لأنني سأصير «شجرة عيون».  

الأربعاء، 17 يوليو، 2013

مدن لا مرئية (1) .. إيتالو كالفينو



مدن ورغبة
من ذلك المكان، وبعد ستة أيام وسبع ليال. تصل زبيدة، المدينة البيضاء المكشوفة تماماً للقمر، شوارعها تدور حول نفسها كما لو كانت شلة خيوط، يروون هذه الحكاية عن تأسيس المدينة: ناس من أمم شتى حلموا جميعاً حلماً واحداً. رأوا امرأة تركض في الليل عبر مدينة مجهولة، رأوها من ظهرها عارية وبشعر طويل. حلموا أنهم يتعقبونها. وبينا هم ينعطفون ويستديرون، افتقدوها جميعاً.

حين استفاقوا انطلقوا يفتشون عن تلك المدينة، لم يجدوها ووجدوا مدينة أخرى. قرروا تشييد مدينة كتلك التي في الحلم. عند رسم الشوارع، كل منهم اتخذ الطريق الذي سلكه في تعقبه، وفي كل مكانٍ افتقدوا فيه أثر العارية الهاربة أنشئوا جداراً وفراغات تختلف عما في الحلم، لكي لا تستطيع الهرب مرة أخرى. هذه هي مدينة زبيدة التي استقروا فيها. ينتظرون ذلك المشهد يعود في إحدى الليالي. لا أحد منهم يقظان أو نائماً رأى تلك المرأة مرة أخرى. صارت الشوارع شوارع يسلكونها إلى أعمالهم كل يوم، ولا رابطة بعد بالمدينة التي في الحلم، والتي لذلك أوغلت في النسيان.

رجال جدد وصلوا من مواطن أخرى، كانوا قد حلموا حلماً مثل حلم الرجال الذين قبلهم، وفي مدينة زبيدة، أدركوا شيئاً من شوارع الحلم، وغيروا مواقع الأركاديا وممرات السلالم، لتشبه أكثر طريق المرأة الهاربة، وهكذا في البقعة التي تلاشت فيها لم يبق هناك زقاق للهرب.

وإذ تصل أول مرة، لن تفهم ما الذي جر الناس إلى زبيدة، هذه المدينة القبيحة، هذا الشرك.

مدن لا مرئية
تأليف : ايتالو كالفينو
ترجمة : ياسين طه حافظ 

الأربعاء، 29 مايو، 2013

مزهرية أبي





   اشترى أبي تلك المزهرية من أحد معارض الأسر المنتجة، التي كان يتردد عليها من حين لآخر، ليعود منها محملاً بمقتنيات لا ترى أمي أي فائدة لها، سوى إهدار الفائض القليل من ميزانية الأسرة المحدودة.

   المزهرية بالتحديد كانت أكثر الأشياء، التي ثار بسببها جدل كبير بين أمي وأبي، فلم يكن هناك أي سابق اهتمام لأبي بالزهور، وكانت أمي تتندر بأن أبي سيزرع بصلاً في مزهرية من الخزف الصيني.

   أما أنا، فقد أعجبتني الرسوم الملونة على المزهرية لغزالة ترضع صغيرتها وسط أشجار متشابكة الأغصان بطريقة بديعة، وكأنما نبتت خصيصاً لتوفر الظل للرضيعة وأمها. وكان يعجبني ملمس المزهرية الناعم، كلما مررت بأصابعي على سطحها المصقول.

   استقرت المزهرية فوق منضدة صغيرة في حجرة الصالون. وكان أبي دائم العناية بها، ينظفها، ويمسحها بسائل مخصوص اشتراه من أحد محلات الخزف. ولكنه – رغم عنايته الشديدة بها – لم يضع بها أية زهور. كما أنه لم يزرع بها بصلاً كما قالت أمي. وذات مرة سألته لماذا لا يضع فيها بعض الزهور، فتعجب من سؤالي، وأخبرني أن المزهرية مزدحمة بالزهور من كل نوع، ولكن ليست كل عين قادرة على رؤية زهورها.

   بعد وفاة أبي وأمي، وزواج أختي، بقيت وحيداً في شقة الأسرة. وكان عليّ أن أقوم بكل أموري بنفسي بما في ذلك نظافة الشقة. وذات يوم، وبينما أنا منهمك في تنظيف حجرة الصالون، أوقعت دون قصد مزهرية أبي، فاستقبلتها الأرض كسراً.

   جمعت كسر المزهرية، وأنا عازم على إلقائها في سلة المهملات، ولكن صورة الغزالة الرضيعة على إحدى الكسر الخزفية أرعبتني؛ إذ بدت الرضيعة وكأنها تبكي؛ إذ انتزعت من أمها بسبب ما أصاب المزهرية من كسر. لذلك تراجعت عن فكرة إلقاء المزهرية في المهملات، وقررت أن أمنحها فرصة أخرى للحياة.

   ذهبت إلى أحد المحال المتخصصة في الخزفيات، وطلبت إعادة جمع المزهرية، وترميمها. تناول صاحب المحل قطع المزهرية مني، وقال إنه يتذكر رجلاً حضر بها منذ سنوات، ليرمم شرخاً بسيطاً بها. ومن فرط إعجاب صاحب المحل بالمزهرية التقط صورة لها، بعد أن رفض الرجل بيعها له. خمنت أن الرجل المقصود هو أبي.

   أخبرني صاحب المحل أن فرص المزهرية للعودة للحياة تكاد تكون منعدمة، ولكنه سيحاول صنع المعجزة، مهتدياً بالصورة التي سبق أن التقطها للمزهرية، وطلب مني العودة بعد عشرة أيام.

   بعد عشرة أيام كانت المعجزة بين يديّ. أخبرني الخزفي أن قطع المزهرية كانت تلتحم تلقائياً كلما وضع قطعة منها في موضعها الصحيح!

   ازداد يقيني بالمعجزة حينما نظرت إلى الغزالة الرضيعة، فوجدتها تبتسم، وكأنها تشكرني على ردها إلى أمها!

   في طريق العودة إلى البيت، رأيت محلاً صغيراً لبيع الزهور في أول الشارع، الذي يقع فيه مسكني. كانت هذه هي المرة الأولى، التي انتبه فيها لوجود ذلك المحل. قررت شراء بعض الزهور، لأضعها في مزهرية أبي، ابتهاجاً بعودتها للحياة.

   بائعة الزهور كانت سيدة مسنة، تعرفت عليّ أول ما رأتني؛ بسبب المزهرية التي كنت أحملها بين يديّ.

   قالت وهي ترحب بي:

-       لابد وأنك ابن الأستاذ حسن
-       نعم. أنا ابنه
-       أبوك كان عاشقاً متيماً بالزهور. أتذكر أول مرة حضر فيها هنا. كان يحمل المزهرية بين يديه مثلك تماما، وطلب مني أجمل باقة من الزهور، ليضعها في المزهرية، التي اشتراها لتوه من بائع عجوز، كان يبيع المزهريات بجوار أحد معارض الأسر المنتجة. كان أباك يشتري أجمل الباقات من عندي، ولكنه لم يكن يضعها في المزهرية أبداً. كان يخرج في الشوارع ليهديها للصغار والكبار.

   أصابتني حالة من الدهشة، وقلت لبائعة الزهور:

-       أريد باقة مثل التي كان يشتريها أبي.
-       حسنا. سأعدها حالاً. وسوف أمنحك خصماً على ثمنها، إذا وعدتني بالحفاظ على المزهرية، حتى لا تنكسر مرة أخرى.

   اندهشت مرة أخرى، لأنني لم أكن قد حدثتها عما وقع للمزهرية، و أجبتها بجدية:

-       أعدك

   أخذت باقة الزهور من السيدة العجوز، وخرجت إلى الشارع. رأيت مجموعة من الأطفال يلعبون في الشارع. اقتربت منهم، وأعطيت كل منهم زهرة، ورأيت علامات الفرح على وجوههم كما لم أرها من قبل.

   عدت إلى البيت، ووضعت المزهرية في مكانها المعتاد. نظرت إليها، فرأيتها مزدحمة بالزهور.