الاثنين، 1 يونيو، 2015

الساحـر



   في كهفه لم يشغله شيء عن صقل جدرانه الرخامية حتى صارت كأنها مرايا. ظل أياما وليال يتأمل صامتا انعكاسات وجهه على الجدران. كان الكلام يتآكل داخله كما تتآكل نتوءات الجدران البارزة وهو يتعهدها بالصقل. وذات ليلة أرهقه الصوت المحبوس داخله، احتشد الصوت لينطلق نحو الخارج غناء صداحا يتردد صداه داخل كهف المرايا. أعجبه صوته الذي اكتشفه من جديد عبر الغناء. كان غناؤه يكسر قيد المرارة التي ظل يجترها منذ خرج طريدا من أرضه دون أن يظفر بكنزه المطمور.

   كان يهبط كل يوم من كهفه ليصطاد أرنبا بريا يذبحه ويسلخه ثم يأكله نيئا. في البداية كانت مطاردة الأرانب وصنع الفخاخ لها تجهده، ولكن حدث ذات مرة وهو ينصب فخا لأرنب تعيس الحظ أن استغرق في الغناء، وتردد صدى أغنياته السحرية في أنحاء الجبل. ما حدث بعد ذلك أدهشه، إذ اجتمعت كل الأرانب البرية بالجبل حوله، وأخذت تستمع لأغنياته في خشوع المؤمنين!

   أدرك أن ذلك سيريحه من عناء الصيد. صارت أغنياته فخاخ الأرانب وغوايتها الأكيدة. يغني فتأتيه الفرائس طائعة، وما عليه سوى الاختيار من بينها أيها يطعم؟

    مع مرور الوقت بدأ يلاحظ أن الأرانب تهمهم بأصوات مختلطة. كانت تبدو وكأنها تحاول أن تقلد غناءه. استهواه الأمر، وبدأ يدرب الأرانب على الغناء. امتلأ كهف المرايا بالأرانب، وصار الجبل يرتج لغناء المعلم الساحر والتلاميذ الأرانب. حوّل الساحر التعاويذ والرميات السحرية إلى أغاني وبدأ يلقنها لأرانبه الخاشعة. ولما انتقل سر الغناء الساحر من الصياد إلى الفرائس، امتنع الصياد عن أكلها. وفي الليلة الموعودة همس لأرانبه بتعويذته الأخيرة؛ لتنطلق بها وتلقيها على مسامع النسوة الموعودات بالغواية.

   تبدأ حكاية كل منهن بنشوة عارمة تجتاحها بينما هي نائمة. تستيقظ فيسحرها صوت يأتي من ناحية شرفتها. تحت الشرفة أرنب يغني. تنقلت الأرانب بين البيوت تنشر النشوة والغواية، وما من امرأة استطاعت مقاومة سحر الغناء. النساء بملابس النوم يجرين في الشوارع يطاردن أرانبا سحروهن بغنائهم العذب. الرجال مذهلون من طيش نسائهن الذي انطلق بهن كعربات سباق جامحة خلف قفزات الأرانب. جربوا بأنفسهم كافة الوسائل والحيل والفخاخ للتخلص من الأرانب المغنية، ولكن دون جدوى. تختفي الأرانب اللعينة بالنهار، ثم تعود للظهور تحت الشرفات بالليل؛ لتنطلق خلفها النسوة المغويات بغنائها.

 مجتزأ من روايتي ( كتاب الشجرة ) قيد الكتابة. 

الأحد، 31 مايو، 2015

مغمور



أنتم تعرفون أن ما أرويه
هو الحقيقة
ولكن حين تدفعني
نحو عربة الجنون
أيدٍ غليظة
ستقولون:
هَذْيان .. مجنون
كيف لنجمةٍ مثلها
أنْ تحبَ مغمورا مثله
هو لم ينشر كتابا
لم يكتب في جريدة
لم يكن نجمَ صالونات

الأحد، 18 مايو، 2014

شــراب الـبـحــر



   أحس أن البحر قريب، رغم أن المدينة لا تطل على أية بحار .. فتح نافذته ليجد الماء يغمر الأشجار والمباني الشواهق، التي تطل على الميدان الكبير.. كان الماء ساكنا بلا حراك، وكانت المدينة جثة هامدة تحت الماء .. خلع ثيابه، ونزل بحر المدينة الهادئ .. ثارت ثوائر الماء لما لامس جسده العاري .. تتابعت الأمواج الصاخبة، وهي تعلو به وتهبط .. ابتلع شيئا من الماء، فوجده عذبًا دون أثرٍ لملوحة البحر .. صار البحر يندفع نحو فمه، حتى أصبح البحر نقطة ماء في جوفه .. انتبه، فوجد المدينة جثة هامدة، يغطي الملح أشجارها ومبانيها الشواهق!

الثلاثاء، 7 يناير، 2014

الـصـبـي والـفـراشـة



   أجنحتها ملونة وزاهية، كما يليق بفراشة تطير به - في فضاء أحلامه - كل ليلة. لم يبذل جهدًا كبيرًا في اختيار اللون المناسب لأجنحة الفراشة المنبسطة على كراس الرسم. كان اللون الأزرق هو الغالب، تتخلله نقاط بيضاء. في فضاء الكراس رسم زهورًا حمراء وصفراء وأرجوانية، وفي جانب علوي من الصفحة كانت شمسًا ذهبية.

   اقتربت منه كي تريه رسمها. كانت ترتدي سترة زرقاء، تحتها قميص أبيض. كانت قد رسمت صبيًا نحيفًا بنظارات طبية، يسافر على أجنحة فراشة زرقاء، صوب شمسٍ ذهبية. 

السبت، 4 يناير، 2014

هـذا الـبـاب

في الحلم أعطاني مفاتيح كثيرة، وقال لي: "افتح كل الأبواب".

في الصباح كانت الدنيا بلا أبواب، فقلت: "وما جدوى المفاتيح في عالم بلا أبواب؟!"

في الحلم قال لي: "أنت أنت الباب."

في الصباح وجدت باب غرفتي محكم الإغلاق. بحثت عن المفاتيح فلم أجدها!

في الحلم قال لي: "أنت أنت المفتاح."


في الصباح كانت جدران الغرفة تتباعد عني، حتى صار سفرٌ بيني وبينها. وصارت السماء دون السقف، والأرض أبعد من قاع البحر. ولم أعد أبصر باب الغرفة. 


الاثنين، 28 أكتوبر، 2013

شـجـرة الـعـيـون



   تسطو العتمة على العالم بالخارج، فيما جدتي «عين» - بحكاياتها - تنير عالمي من الداخل.  الحال هكذا كل مساء .. أنا لا أشبع من الحكايات، وحكايات جدتي «عين» لا تنفد أبداً. حكايات قديمة وعجيبة.. أنبياء وأولياء .. ملوك وصعاليك .. حيوانات متكلمة .. طيور مُسبِحة .. وشجر يئن كما البشر .. حكايات ورثتها جدتي عن جدتها، وحكايات أخرى عايشتها جدتي بنفسها، وثالثة أظن أن جدتي قد ألفتها تأليفاً.

   حينما بدأ الغمام يحاصر الأفق أمام عينيّ، لم أستوعب لماذا أصبح العالم أقل ضياءً. حدث هذا منذ أربع سنوات. كنت وقتها لا أزال تلميذة بالمدرسة الابتدائية. لاحظت أمي أنني أصبحت كثيرة العثرات، وأن الأشياء دائماً ما تسقط من بين يديّ. أخبرتها عن الأفق المحاصر أمام ناظريّ، وعن النور الذي أصبح شحيحاً أينما وليت وجهي.

   يصحبني أبي إلى طبيب العيون. يفحصني الطبيب، يقف بجوار لوح عليه علامات دائرية  غير مكتملة الإغلاق. يشير الطبيب إلى العلامات واحدة تلو الأخرى، وهو يكرر سؤاله الأوحد عن الاتجاه الذي تنفتح عليه كل علامة، أجيبه كل مرة بكثير من التردد والتعثر.

   بعد أن انتهى الطبيب من الفحص، طلب من أبي إحضاري إلى مستشفى الرمد في صباح اليوم التالي لمزيد من الفحوصات.

   في المستشفى تناوبت الأجهزة الحديثة فحص عينيّ، وقدمت تقريراً للأطباء تقرر فيه حاجتي لزرع قرنية في كلتا العينين. كان ذلك يعني مبلغاً طائلاً من المال.

   ازدادت كثافة الغمام أمام عينيّ، ولم يعد بمقدوري الذهاب إلى المدرسة. ولم يعد لي من نور سوى حكايات جدتي «عين».

   حكت لي جدتي «عين» عن شجرة تسمى «شجرة العيون»، تنبت في أرض بعيدة عن الأرض التي نحيا عليها. تلك الشجرة تثمر ثمراً ليس كمثله ثمر، فثمرها عيون .. عيون حوراء يا صغيرتي .. عيون من كل لون .. سمراء وخضراء .. بنية ورمادية .. لبنية وعسلية.
   قالت لي جدتي إنها ستسافر يوماً ما إلى تلك الأرض البعيدة، حيث تنبت «شجرة العيون»، وأنها ستجلب لي زوجاً من العيون من ثمر تلك الشجرة العجيبة، وأنني سأعود أرى العالم يضج بالأنوار.

   آه .. لازلت أذكر ذلك الصباح الثقيل ثقل الرواسي من الجبال. ماتت جدتي.. ماتت «عين» .. ماتت صاحبة الحكايات .. ماتت .. وبقيت حكاياتها التي لا تموت.

   وسط سيول الدموع المنهمرة من العيون، والتي تبكي - بلا انقطاع - جدتي «عين»، استدعاني أبي على عجل. أخبرني أبي أن جدتي «عين» كانت قد أوصت لي بقرنيتي عينيها إذا ما ماتت، وأخبرني أيضا أنه قد اتصل بطبيب العيون ورتب معه الأمر، وأنهم سوف ينقلون جثمان جدتي الآن إلى المستشفى، لاستئصال قرنيتي عينيها، تمهيداً لزراعتهما بعينيّ.

   لماذا فعلت هذا يا جدتي؟! لماذا وضعتني في هذا الاختبار الصعب؟! .. لا ..  أنا لن أقبل أن ينزعوا منك عيونك .. لا يا «عين» لن أقبل .. لن أقبل ..

   احتضنني أبي، وهدأ من روعي، وأخبرني أن هذه هي وصية جدتي، وأمنيتها الأخيرة التي أصرت عليها، وأننا لا نملك شيئاً سوى تنفيذ وصيتها، والدعاء لها بالرحمة.

   في غرفة العمليات، و بعد أن سرى المخدر في جسدي، لم أشعر بشيء لوهلة، ثم سمعت صوت جدتي «عين» يأتي من بعيد وهي تناديني: انهضي يا صغيرتي .. اقترب الصوت أكثر فأكثر .. شعرت بيديها وهما تمسكان بيديّ .. كانت تساعدني على النهوض .. تشبثت بيديها وأنا أنهض من رقدتي، وقلت لها وأنا أغالب دموعي المنهمرة:

-      لماذا غبتِ عني يا «عين» وتركتني وحيدة؟
-      لقد ذهبت إلى الأرض البعيدة يا حبيبتي.
-      الأرض البعيدة حيث تنبت «شجرة العيون»؟!
-      نعم يا حبيبتي، وجئتك منها بزوج من العيون.
-      ابقِ معي يا جدتي.
-      سأعود إلى الأرض البعيدة يا صغيرتي، سأعود لأنني سأصير «شجرة عيون».