الثلاثاء، 16 أكتوبر، 2012

قــطــــرة



في البدايةِ كنتُ أسيرُ على مهلٍ، ثم أخذتُ أسرعُ الخطوَ حتى انتزعَ الركضُ قدميّ. كان المرجُ ينفسحُ كلما ركضت، كأن اللانهايةَ مرجٌ أخضر. و فوقَ اللامتناهي الأخضرِ رأيتُ كرةً ضخمةً و شفافة. أدهشتني ضخامتُهَا، و أبهرتني شفافيتُهَا، فكأنها من بلورٍ خالص. و أخذتُ أدحرجُهَا أمامي، فكانت تتحركُ في نعومةِ المرجِ بلا أدنى مقاومة. و راحتْ كلما دحرجتُهَا أمامي تصدرُ أنغاماً كأهازيجِ الصغار، يرتجُ لها جسدي، و يبتهجُ قلبي.

لما شعرتُ بالجوعِ أخذتْ الكرةُ الضخمةُ تتضاءلُ حتى صارت في حجمِ البطيخة. هي بالفعلِ بطيخة. أرى لُحمتَها الحمراءَ- تحتَ قشرةٍ شفافة- دونَ بذور. نزعتُ القشرةَ الشفافةَ بيديّ. و رحتُ أمصُ  اللُحمةَ الحمراء، فانسابَ عصيرُها الأحمرُ في فمي عسلاً شهياً لم تنضجْهُ معدُ النحلِ المختالِ بنظامِ خلاياه. أشبعَ العسلُ الأحمرُ جوعي، و روىَ ظمأي. و رقدتُ على ظهري أتطلعُ نحو السماء.

و في السماءِ رأيتُ سرباً من إوزٍ وردي اللونِ و أبيض. كان السربُ كلُهُ من الإناث، أو هكذا تصورت. كان السربُ يتصايحُ في تناغمٍ عجيب، و كأنه يعزفُ معزوفةَ صياح. رحتُ أتابعُ السربَ ببصري، حتى هبطَ غيرَ بعيدٍ على حافةِ بحيرةٍ قريبةٍ لم ألاحظها من قبل. قمتُ من رقدتي، و هرولتُ ناحيةَ البحيرة، و لما بلغتُهَا لم أر إوزةً واحدة، رغم أن معزوفةَ الصياحِ كانت لاتزالُ نغماتُها تترددُ حولي.

رأيتُ صورتي على صفحةِ مياهِ البحيرةِ طفلاً مشدوها. خلعتُ ملابسي، و نزلتُ إلى المياهِ الرائقة. استقبلتني البحيرةُ كرحمِ أمٍ يستقبلُ نطفةَ وليدٍ محتمل. تركتُ نفسي للماءِ يغمرني. كان ماءُ البحيرةِ ينفذُ من مسامِ جلدي إلى داخلِ جسدي، يطهرُ قلبي، و يغسلُ روحي. شعرتُ بنفسي جنيناً يسبحُ في سائلٍ أمنيوسي، يرفسُ و يلكم، يضحكُ و يبكي.

أطلقتني البحيرةُ في الهواءِ طائراً بغيرِ ريشٍ و لا جناح. حلقتُ فوقَ المرجِ لا أشعرُ بثقلِ جسدي. و أبصرتُ من علٍ ما لم تبصرْ من قبل عيني. رأيتُ المرجَ سيولاً من نورٍ تتدفقُ في غيرِ انقطاعٍ من كلِ صوبِ. و شعرتُ بنفسي أسقطُ من علٍ كقطرةٍ في سيلِ.

ليست هناك تعليقات: