في البدايةِ كنتُ أسيرُ على مهلٍ، ثم أخذتُ
أسرعُ الخطوَ حتى انتزعَ الركضُ قدميّ. كان المرجُ ينفسحُ كلما ركضت، كأن
اللانهايةَ مرجٌ أخضر. و فوقَ اللامتناهي الأخضرِ رأيتُ كرةً ضخمةً و شفافة.
أدهشتني ضخامتُهَا، و أبهرتني شفافيتُهَا، فكأنها من بلورٍ خالص. و أخذتُ أدحرجُهَا
أمامي، فكانت تتحركُ في نعومةِ المرجِ بلا أدنى مقاومة. و راحتْ كلما دحرجتُهَا
أمامي تصدرُ أنغاماً كأهازيجِ الصغار، يرتجُ لها جسدي، و يبتهجُ قلبي.
لما شعرتُ بالجوعِ أخذتْ الكرةُ الضخمةُ
تتضاءلُ حتى صارت في حجمِ البطيخة. هي بالفعلِ بطيخة. أرى لُحمتَها الحمراءَ- تحتَ
قشرةٍ شفافة- دونَ بذور. نزعتُ القشرةَ الشفافةَ بيديّ. و رحتُ أمصُ اللُحمةَ الحمراء، فانسابَ عصيرُها الأحمرُ في
فمي عسلاً شهياً لم تنضجْهُ معدُ النحلِ المختالِ بنظامِ خلاياه. أشبعَ العسلُ
الأحمرُ جوعي، و روىَ ظمأي. و رقدتُ على ظهري أتطلعُ نحو السماء.
و في السماءِ رأيتُ سرباً من إوزٍ وردي اللونِ
و أبيض. كان السربُ كلُهُ من الإناث، أو هكذا تصورت. كان السربُ يتصايحُ في تناغمٍ
عجيب، و كأنه يعزفُ معزوفةَ صياح. رحتُ أتابعُ السربَ ببصري، حتى هبطَ غيرَ بعيدٍ
على حافةِ بحيرةٍ قريبةٍ لم ألاحظها من قبل. قمتُ من رقدتي، و هرولتُ ناحيةَ البحيرة،
و لما بلغتُهَا لم أر إوزةً واحدة، رغم أن معزوفةَ الصياحِ كانت لاتزالُ نغماتُها
تترددُ حولي.
رأيتُ صورتي على صفحةِ مياهِ البحيرةِ طفلاً مشدوها.
خلعتُ ملابسي، و نزلتُ إلى المياهِ الرائقة. استقبلتني البحيرةُ كرحمِ أمٍ يستقبلُ
نطفةَ وليدٍ محتمل. تركتُ نفسي للماءِ يغمرني. كان ماءُ البحيرةِ ينفذُ من مسامِ
جلدي إلى داخلِ جسدي، يطهرُ قلبي، و يغسلُ روحي. شعرتُ بنفسي جنيناً يسبحُ في سائلٍ
أمنيوسي، يرفسُ و يلكم، يضحكُ و يبكي.
أطلقتني البحيرةُ في الهواءِ طائراً بغيرِ
ريشٍ و لا جناح. حلقتُ فوقَ المرجِ لا أشعرُ بثقلِ جسدي. و أبصرتُ من علٍ ما لم
تبصرْ من قبل عيني. رأيتُ المرجَ سيولاً من نورٍ تتدفقُ في غيرِ انقطاعٍ من كلِ
صوبِ. و شعرتُ بنفسي أسقطُ من علٍ كقطرةٍ في سيلِ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق